--
لن تنسى ولاية ويسكونسن الأمريكية تاريخ الثّامن من تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1871. ففي ذلك اليوم قام عدد من رجال منطقة بيشتيغو في ويسكونسن بإشعال حرائق صغيرة في الغابات. وكان الرّجال قد اعتادوا على إشعال الحرائق بهدف توسيع خطوط السكك الحديديّة أو لتوسيع الأراضي الزّراعية. إلّا أنّه وفي ذلك اليوم بالتّحديد حدث ما لم يكن في الحسبان حيث تحركت جبهة باردة في المنطقة ما أدّى إلى هبوب رياح أشبه بتلك التي يُحدثها الإعصار ما أدى إلى حدوث عاصفة من النّيران في المنطقة. عاصفة لقّبت باسم “النّيران الأكثر دموية” في التاريخ الأمريكي.
ومذّاك حتّى يومنا الحالي لم تشهد الولايات المتّحدة الأمريكي على نيران أعنف من تلك التي إشتعلت في ويسكونسن وراح ضحيتها 2500 شخصًا. إلّا أنّه وسط هذه الحادثة المؤلمة والدّمويّة قصّة مجموعة من أشخاص نجوا بأعجوبة دون أن يتعرّضوا لأي أذى على الرّغم من تواجدهم في وسط الحريق. لقد كانوا بصحبة أديل بريس.

كانت أديل في سن الرّابعة والعشرين من عمرها عندما وصلت إلى ويسكونسن مع أهلها من بلجيكا في العام 1855. ككاثوليكيّة متديّنة، كانت أديل تتعبّد للعذراء المباركة وتصلّي لها بشكل يومي. في الثّاني من شهر تشرين الأول/ أوكتوبر من العام 1859 وبينما كانت أديل عائدة إلى بيتها عن طريق الغابة رأت إمرأة ترتدي ثوبًا أبيض تقف بين الأشجار. كانت المرأة محاطةً بنور ويزنّرها وشاح أصفر اللّون. أمّا على رأسها فإكليل من النّجوم. شعرت أديل بخوف عميق وبدأت بالصّلاة فاختفت المرأة من أمامها. عندما أخبرت والديها بالموضوع قالا لها إنها لا بد أن تكون إحدى الأنفس المحتاجة إلى صلاة.
وفي يوم الأحد التّالي، وبينما كانت أديل في طريقها إلى الكنيسة للإحتفال بالقدّاس مع أختها وإمرأة أخرى تراءت لها الإمرأة من جديد. إلّا أن شقيقة أديل والإمرأة المرافقة للفتاتين لم تشاهدا شيءً. وفيما كانت أديل عائدةً من القدّاس ظهرت الإمرأة لها للمرّة الثّالثة. هذا وكانت أديل قد صارحت كاهن الرّعية بما رأته فما كان عليها سوى القيام بما أوصاها به. فسألت أديل الإمرأة:”باسم الله، من أنت وماذا تريدين منّي؟”
فأجابت الإمرأة:” أنا ملكة السماوات التي تصلّي من أجل إرتداد الخطأة وأتمنّى منك القيام بالمثل. لقد تلقيت القربان المقدّس صباح هذا اليوم وهذا أمرٌ جيّد. لكن عليك القيام بالمزيد. قومي بالإعتراف وقدّمي القربان على نيّة إرتداد الخطأة… إجمعي الأطفال وعلّميهم ما يجب أن يعرفوه عن الخلاص.
كانت أديل ترتجف خوفًا. كانت تعرف القليل عن إيمانها. فسألت العذراء المباركة كيف من المفترض عليها القيام بهذا الأمر وهي تفتقر للمعرفة؟ فأجابتها العذراء مريم:”علّميهم تعاليم الكنيسة، كيف يقومون بإشارة الصّليب، وكيف يتقدّمون من أسرار الكنيسة، هذا ما أتمنّى أن تقومي به. إذهبي ولا تخافي شيءً. سأساعدك.
حملت أديل كلام العذراء المباركة في قلبها وبدأت حياتها الجديدة بتعليم الأطفال الإيمان الكاثوليكي من خلال تنقلّها سيرًا على الأقدام من بيت إلى آخر لتعليم الأطفال داخل منازلهم. من جهته قام والد أديل، لامبرت بريز، ببناء هيكلٍ خشبي صغير مكان ظهور العذراء. هيكلٌ تحوّل بعد تقديم إزابيل دوين أرض حول مكان الظّهور إلى مدرسة صغيرة للتّعليم الدّيني. هذا وتمّ بناء كنيسة من الخشب أيضًا في المكان عينه. أُطلق على الكنيسة آنذاك إسم كنيسة سيّدة النّعم. تبعت أديل وعدد من السّيدات الرهبنة الثالثة الفرنسيسكانية للعلمانين. وعلى الرّغم من عدم إلتحاقها بالدّير كانت معروفة بالأخت أديل.
وأتت تلك اللّيلة العصيبة. ليلة الثّامن من تشرين الأوّل / أوكتوبر عندما إندلعت النّيران وإنتشرت ملتهمة كلّ ما قد يطاله لهيبها. إمتدّت النّيران باتّجاه كنيسة سيّدة النّعم.
هذا وتهافت عدد كبير من النّاس الفارين من النّيران إلى الكنيسة حاملين مقتنياتهم. أسرعت الأخت أديل إلى تنظيم توافد هذا العدد الكبير داعيةً الجميع إلى صلاة الوردية المقدّسة. وقفوا خارج الكنيسة حاملين تمثال السّيدة العذراء وهم يطلبون حمايتها. النّيران ظلّت تتقدّم باتجاههم فدخلوا الكنيسة واستمرّوا بالصّلاة. ما كانت إلّا لحظات حتّى أحاطت النّيران بالمكان إلّا أن ذرّة لهيب لم تطل الكنيسة والمؤمنين القابعين في داخلها.
أكثر من 4000 كيلومتر مربّع تحوّل إلى رماد جرّاء النّيراء الهوجاء. نيران إستطاعت تدمير كل شيء دون المساس بكنيسة سيّدة النّعم وبمن فيها إضافة إلى مدرسة التّعليم المسيحي. لم يتأذّ أحدٌ ضمن تلك البقعة الجغرافيّة بما في ذلك الحيوانات. كل من أتى لزيارة المكان عقب هذا الحادث الأليم أدرك فورًا أن يد الله قد تدخّلت في تلك اللّيلة لحماية هذا المكان الذي يقع وسط الأرض المحروقة. لم يكن للمؤمنين الذين كانوا داخل الكنيسة أي شك في أن العذراء مريم هي التي دافعت عنهم ومنعت النّيران من الوصول إليهم.
هذا الحدث جذب مؤمني المنطقة لزيارة كنيسة سيّدة النّعم والتّضرع لها.
وفي الثّامن من شهر كانون الأوّل / ديسمبرمن العالم 2010 أعلن الأسقف ديفيد رايكن في كنيسة سيدة النعم خلال قداس خاص لمناسبة عيد الحبل بلا دنس أن ظهور العذراء في هذا المكان تمّ فعلًا وقد إعترفت به الكنيسة الكاثوليكية بالولايات المتحدة رسمياً.
--

إرسال تعليق Blogger

 
Top